السيد محمد حسين فضل الله

32

من وحي القرآن

في البداية ثم العمل على إلغائها ، لأسباب محدّدة ، أن قضية الإلغاء ليست حكما في أصل التشريع ، بحيث يقف حاجزا في المستقبل بينهم ضدّ أية علاقة سلميّة على أسس سليمة لا تتنافى مع المصلحة الإسلامية العليا ، بل هو حكم محدّد في نطاق مرحلة معيّنة مع مشركي جزيرة العرب الذين كانت لهم أوضاعهم السلبيّة وتصرفاتهم العدوانية التي تمثل لونا من ألوان خيانة العهد المعقود بينهم وبين المسلمين ، مما يوحي بأن البراءة المعلنة ، هي حكم ولاية رسولية ، لا حكم تشريع ، فقد مارسه النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم بصفته حاكما لا بصفته مشرّعا . وربما استفاد ذلك بعض المفسرين - وهو العلامة الطباطبائي في الميزان « 1 » - من نسبة البراءة إلى الرسول ، بالإضافة إلى نسبتها إلى اللَّه ، إذ لو كان الأمر تشريعا كما هو التشريع ، لاقتصر الأمر على النسبة إلى اللَّه ، لأنه هو الذي يملك التشريع وحده ، وليس للرسول إلا صفة التبليغ . وقد نستطيع مناقشة هذا الاستنتاج بأن ذلك لا يمثل أساسا لهذا الرأي ، لأن من الممكن أن يكون إسناد الأمر إلى الرسول ، بالإضافة إلى اللَّه سبحانه ، منطلقا من أن مثل هذا التشريع ينطلق من معنى يتصل باللَّه ، من حيث تشريعه له ، ويرتبط بالنبيّ من جهة أخرى باعتبار أنه طرف في إبرام المعاهدة وإلغائها ، مما يجعل من نسبة البراءة إلى الرسول ، كشيء صادر عنه ، من خلال ارتباط طبيعته به ، وفي ما يمثله واقع العلاقة بينه وبين المشركين من ممارسة عملية للتشريع في بدايته ونهايته . وفي ضوء ذلك ، لا نجد التفسير لهذا الاستنتاج صحيحا . أمّا تفسيرنا له ، فينطلق من دراسة طبيعة الموضوع الذي يتحرك فيه هذا

--> ( 1 ) الطباطبائي ، محمد حسين ، الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت ، ط : 1 ، 1411 ه - 1991 م ، ج : 9 ، ص : 150 .